ابن رشد

119

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

كثير من الحيوان له والنبات والجماد ، وجزئيات كثيرة مثل الأمطار والأنهار وبالجملة الأرض والماء والنار والهواء ، وكذلك أيضا تظهر العناية في أعضاء الإنسان « 81 » وأعضاء الحيوان ، أعني كونها موافقة لحياته ووجوده . وبالجملة فمعرفة ذلك ، أعني منافع الموجودات ، داخلة في هذا الجنس . ولذلك وجب على من أراد أن يعرف اللّه تعالى ، المعرفة التامة ، أن يفحص عن منافع جميع الموجودات « 28 » . [ 72 ] وأما دلالة الاختراع فيدخل فيها وجود ( - إيجاد ) الحيوان كله ووجود النبات ووجود السماوات . وهذه الطريقة تنبني على أصلين موجودين بالقوة في جميع فطر الناس ، أحدهما : أن هذه الموجودات مخترعة ، وهذا معروف بنفسه في الحيوان والنبات كما قال تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ » الآية ( - « وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ » الحج 73 ) . فإنا نرى أجساما جمادية ثم تحدث فيها الحياة فنعلم قطعا ( 31 / و ) أن هاهنا موجدا للحياة ومنعما بها ، « 82 » وهو اللّه تبارك وتعالى . وأما السماوات فنعلم من قبل حركاتها ، التي لا تفتر ، أنها مأمورة بالعناية بما هاهنا ، ومسخرة لنا . والمسخر المأمور مخترع من قبل غيره ضرورة . [ 73 ] وأما الأصل الثاني فهو أن كل مخترع فله مخترع . [ 74 ] فيصح من هذين الأصلين أن للموجود فاعلا مخترعا له . وفي هذا الجنس دلائل كثيرة على عدد المخترعات . [ 75 ] ولذلك كان واجبا على من أراد معرفة اللّه حق معرفته أن يعرف جواهر الأشياء ليقف على الاختراع الحقيقي في جميع الموجودات ، لأن من لم يعرف حقيقة الشيء لم يعرف حقيقة الاختراع . وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى : « أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ » ( الأعراف 185 ) . [ 76 ] وكذلك أيضا من تتبع « 83 » معنى الحكمة في موجود موجود ، أعني : معرفة السبب الذي من أجله خلق ، والغاية المقصودة به ، كان وقوفه على دليل العناية أتم . فهذان الدليلان هما دليلا الشرع .

--> ( 28 ) ف : 71 ، لم يذكر الأصل الثاني ، لكنه شرحه باختصار في الفقرة رقم 70 أعلاه . ( 81 ) ت ، مل 1 : " البدن " . مل 2 استدركها فصححها : الإنسان ( 82 ) ت ، مل 1 : " ومنعما لها " ( 83 ) س : " يتبع " .